لا زال الموقف الشعبي في مصر تجاه الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، في ظل موجة من التعاطف الواسع مع الجمهورية الإسلامية مثار جدل واسع لم يقتصر على المعلقين والإعلاميين في دول الخليج، بل امتد إلى الكتاب الموالين لإسرائيل.
ورأى محمد سعد خير الله، مؤسس ما عُرفت باسم "الجبهة الشعبية لمناهضة أخونة مصر" في مقال نشرته صحيفة "إسرائيل أوف تايمز" في تعليقه على التعاطف الشعبي الواسع في مصر تجاه إيران بأنه "نتيجة تراكمية لعقود من العداء المتأصل تجاه إسرائيل، والذي تم غرسه بعناية وتأجيجه باستمرار، حتى وصل إلى مرحلة لم يعد بإمكان آلة الدولة المصرية إعادة توجيهه أو توظيفه بالطريقة التي اعتمدت عليها طويلاً".
وأضاف: "وقد أدى هذا الموقف إلى أزمة عميقة وغير مسبوقة بين مصر والدول الأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي، والتي انعكست في خطاب حاد بشكل غير عادي من كتاب ومثقفين وصحفيين بارزين، يُنظر إليهم على نطاق واسع على أنهم يرددون مواقف حكوماتهم المعنية".
وأشار إلى أنه "بالنسبة للجماهير الخليجية، الرسمية منها والعامة، فاقمت هذه الأزمة التناقضات الصارخة بين الواقع والرواية التي دأب (قائد الانقلاب) السيسي على الترويج لها لأكثر من عقد من الزمان: أن "أمن الخليج خط أحمر"، وأن "أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر"، وأن "الجيش المصري يتعامل مع دول الخليج كما يتعامل مع دولته".
وتابع خير الله: "وقد بلغ هذا ذروته في العبارة الشهيرة: "مسافة السكة"، التي ترسخت في الوعي الجمعي الخليجي كوعد بتدخل عسكري مصري فوري في مواجهة أي تهديد. وقد أدى هذا التناقض إلى خيبة أمل واسعة النطاق، لدرجة أن البعض وصف ما حدث بأنه "خيانة".
اعتراف السيسي
وقال إنه "في خضم هذا المشهد المضطرب، كان الأثر على (السيسي) نفسه واضحًا لا لبس فيه. فقد ترك خطابه في 14 مارس، الذي ألقاه خلال إفطار العائلة المصرية في مقر القوات الجوية، الحضور في حالة ذهول. استمعوا إلى الرجل نفسه الذي صرّح ذات مرة، في يناير 2018 خلال افتتاح حقل غاز ظهر في بورسعيد: "أقسم بالله، لقد أمضيت خمسين عامًا أتعلم معنى الدولة، وما زلت أتعلم". لكن هذه المرة، بدا عليه التوتر، معترفًا ضمنيًا بوجود معضلة عندما قال: "نحن بحاجة إلى من يكتبون ليفهموا حقًا؛ وإلا لكانت مشكلة مصر قد حُلت بالفعل. لماذا لم تُحل؟ إما أننا، كمسؤولين، عاجزون، أو أن حجم المشكلة هائل".
وذكر خير الله أنه "في الخطاب نفسه، حذر أي شخص يقترح حلولاً من المبالغة، ونصحهم "بالالتزام بما يعرفونه، لأن الدولة مسألة مختلفة تمامًا"، قبل أن يضيف: "من لديه حل عليه أن يتقدم، وسنكون سعداء حقًا بالاستماع إليه".
وأوضح أن هذه التصريحات تأتي في ظل ما يصفه بعض الاقتصاديين بـ "الواقع الكارثي" الذي تمر به مصر، ففي الأسابيع الأخيرة، ارتفعت أسعار الوقود - الغاز والسولار والبنزين - بمقدار ثلاثة جنيهات مصرية دفعة واحدة، في زيادة استثنائية وليست معتادة. كما ارتفع سعر أسطوانة غاز الطهي الصغيرة من 225 إلى 275 جنيهًا، والكبيرة من 450 إلى 550 جنيهًا، بالتزامن مع ارتفاعات هائلة في أسعار السلع والمنتجات. وفي الوقت نفسه، اقترب سعر الدولار من 53 جنيهًا مصريًا، مع تلميح (السيسي) نفسه إلى مزيد من الزيادات في الأسعار مستقبلاً.
ورأى خير الله أن مصر تقف عند واحدة من أكثر المنعطفات تعقيدًا في تاريخها الحديث: أمة منهكة تمامًا، مثقلة بحوالي 165 مليار دولار من الديون الخارجية وتريليونات الجنيهات محليًا، بينما تحتل مرتبة متدنية في المؤشرات العالمية في التعليم والرعاية الصحية ودخل الفرد.
وقال خير الله إنه تجاوبُا مع دعوة السيسي، فإنه يقدم مقترحًا لحل لأزمة مصر، مع شرح آليات تنفيذ مقترحه بالتفصيل الدقيق في السطور التالية.
خارطة طريق لإنقاذ مصر
إعادة الجيش المصري إلى ثكناته، وإلغاء التجنيد الإجباري، وإصلاح المناهج العسكرية من خلال إضفاء الطابع الإنساني والتحديث، بما يتماشى مع مفهوم الجيوش الوطنية المعاصرة، بحيث تصبح القوات المسلحة مؤسسة دفاعية احترافية بحتة، بعيدة عن أي أدوار تتجاوز ولايتها الأساسية.
الانسحاب الفوري للجيش من السياسة والاقتصاد، وحصر دوره في حماية الأمن القومي والدفاع عن حدود البلاد. من شأن ذلك استعادة التوازن الطبيعي بين مؤسسات الدولة، وضمان خضوع المجالين السياسي والاقتصادي بالكامل للإدارة المدنية.
القيام بإصلاح شامل وعميق للقضاء، وضمان استقلاله الكامل باعتباره الضامن الأساسي للعدالة وسيادة القانون، وضمان فصل حقيقي للسلطات.
تعليق العمل بالدستور الحالي وتشكيل لجنة متخصصة لتحديث دستور عام 1923 بما يتناسب مع الواقع المعاصر، وأن يرسي أسس دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة الكاملة والمساواة المطلقة بين جميع المواطنين، مع ترسيخ مبدأ علمانية الدولة صراحةً، انطلاقًا من مبدأ أن الدولة لا دين لها، وأن تبني الدولة لدين رسمي يُعدّ قمة التطرف. ويجب عليها أن تقف على مسافة متساوية من جميع مواطنيها دون تمييز.
لقد آن الأوان لإنهاء معاناة الأقباط الطويلة في مصر. فمنذ "الغزو الإسلامي"، استمرت هذه المعاناة إلى حد كبير، باستثناء الحقبة الليبرالية المصرية التي امتدت من ثورة 1919 إلى انقلاب 1952، وهي ثلاثة وثلاثون عامًا فقط عاش خلالها الأقباط في ظل نظام المواطنة الكاملة. حان الوقت الآن لأن يشعر نحو 23 مليون قبطي في مصر بالمساواة التامة مع المسلمين في هذا البلد، إلى جانب البهائيين واللاأدريين وغير المتدينين والملحدين وغيرهم.
ا
لإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي الذين لم يشاركوا في أعمال العنف أو يحرضوا عليها، كخطوة ضرورية نحو استعادة ثقة الجمهور وإعادة فتح المجال السياسي الوطني لخفض التصعيد.
إطلاق خطة اقتصادية وطنية تتمحور حول تحرير السوق من السيطرة الاحتكارية ودعم القطاعات الإنتاجية، وبالتالي إعادة توجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع بدلاً من شبكات النفوذ الراسخة.
إطلاق إصلاحات ديمقراطية حقيقية تمكن الشباب من المشاركة بشكل فعّال في تشكيل مستقبل البلاد وتمهيد الطريق لانتقال سياسي طبيعي وسلمي.
فتح المجال العام بالكامل، وضمان الحريات المدنية، وحرية الصحافة، والعمل غير المقيد لمنظمات المجتمع المدني، كشروط أساسية لحياة سياسية سليمة.
إبعاد المؤسسات الدينية عن الحياة العامة وصنع القرار السياسي، وحصر دورها في الإرشاد الروحي فقط. وهذا يستلزم إلغاء التعليم الديني على جميع المستويات، وترسيخ مبدأ أن يكون التعليم موحداً، ومدنياً في جوهره، وقائمًا على المعرفة والعقل.
إعادة شعور المصريين بالملكية لموارد بلادهم، وضمان أن يشعر كل مواطن بأنه شريك حقيقي في حماية البلاد والحفاظ عليها وتشكيل مستقبلها.
تفكيك خطاب الكراهية الموجه ضد "الآخر" في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية. لقد حان الوقت للتوقف عن إعادة إنتاج التناقضات الداخلية والصراعات المجتمعية.
إعادة بناء النظام التعليمي على أسس التفكير النقدي والبحث العقلاني، بدلاً من الحفظ عن ظهر قلب والخضوع، وبالتالي تعزيز الأفراد القادرين على الفهم بدلاً من مجرد التلقي.
إرساء الشفافية الكاملة في إدارة الأموال العامة وإخضاع الإنفاق الوطني لإشراف مؤسسي مستقل يضمن المساءلة ويحمي الموارد العامة من سوء الاستخدام.
إعادة تعريف الأمن القومي تبدأ بالمواطن المصري وكرامته وحقوقه الأساسية، لأن الأمن الحقيقي للدولة لا ينفصل عن أمن شعبها.
إطلاق مشروع وطني يهدف إلى استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وفتح آفاق جديدة للتغلب على الانقسامات وبناء عقد اجتماعي متجدد.
إن تبني إطار شامل للعدالة الانتقالية يكشف الحقيقة كاملة، ويحقق العدالة للضحايا، ويقدم التعويضات، ويحاسب المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان دون خوف من الانتقام أو العقاب السياسي، من شأنه أن يسمح بطي صفحة الماضي على أسس عادلة، ويمهد الطريق لمصالحة وطنية حقيقية.
https://blogs.timesofisrael.com/el-sisi-calls-for-a-solution-to-egypts-crisis-will-he-listen/

